ابن قيم الجوزية

565

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

هذا معنى ما حصلته عن شيخ الإسلام ابن تيمية . قدس اللّه روحه . وفي هذه الآية أسرار عجيبة . وهي من غوامض الآداب اللائقة بأكمل البشر صلى اللّه عليه وسلم : تواطأ هناك بصره وبصيرته . وتوافقا وتصادفا فيما شاهده بصره . فالبصيرة مواطئة له . وما شاهدته بصيرته فهو أيضا حق مشهود بالبصر . فتواطأ في حقه مشهد البصر والبصيرة . ولهذا قال سبحانه وتعالى : ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى ( 11 ) أَ فَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى ( 12 ) [ النّجم : 11 ، 12 ] أي ما كذب الفؤاد ما رآه ببصره . ولهذا قرأها أبو جعفر « ما كذّب الفؤاد » ما رأى - بتشديد الذال - أي لم يكذّب الفؤاد البصر . بل صدقه وواطأه . لصحة الفؤاد والبصر . أو استقامة البصيرة والبصر . وكون المرئي المشاهد بالبصر والبصيرة حقا . وقرأ الجمهور « ما كذب الفؤاد » بالتخفيف . وهو متعدّ . و « ما رأى » مفعوله : أي ما كذب قلبه ما رأته عيناه . بل واطأه ووافقه . فلمواطأة قلبه لقالبه ، وظاهره لباطنه ، وبصره لبصيرته : لم يكذب الفؤاد البصر . ولم يتجاوز البصر حدّه فيطغى ولم يمل عن المرئي فيزيغ ؛ بل اعتدل البصر نحو المرئي . ما جاوزه ولا مال عنه ، كما اعتدل القلب في الإقبال على اللّه ، والإعراض عما سواه . فإنه أقبل على اللّه بكليته . وللقلب زيغ وطغيان ، كما للبصر زيغ وطغيان . وكلاهما منتف عن قلبه وبصره . فلم يزغ قلبه التفاتا عن اللّه إلى غيره . ولم يطغ بمجاوزته مقامه الذي أقيم فيه . وهذا غاية الكمال والأدب مع اللّه الذي لا يلحقه فيه سواه . فإن عادة النفوس ، إذا أقيمت في مقام عال رفيع : أن تتطلع إلى ما هو أعلى منه وفوقه . ألا ترى أن موسى صلى اللّه عليه وسلم لما أقيم في مقام التكليم والمناجاة : طلبت نفسه الرؤية ؟ ونبينا صلى اللّه عليه وسلم لما أقيم في ذلك المقام ، وفّاه حقه : فلم يلتفت بصره ولا قلبه إلى غير ما أقيم فيه البتة ؟ . ولأجل هذا ما عاقه عائق . ولا وقف به مراد ، حتى جاوز السماوات السبع حتى عاتب موسى ربه فيه . وقال : « يقول بنو إسرائيل : إني كريم الخلق على اللّه . وهذا قد جاوزني وخلّفني علوا . فلو أنه وحده ؟ ولكن معه كل أمته » وفي رواية للبخاري « فلما جاوزته بكى . قيل : ما يبكيك ؟ قال : أبكي أن غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي » ثم جاوزه علوا فلم تعقه إرادة . ولم تقف به دون كمال العبودية همة . ولهذا كان مركوبه في مسراه يسبق خطوه الطرف . فيضع قدمه عند منتهى طرفه ، مشاكلا لحال راكبه ، وبعد شأوه ، الذي سبق العالم أجمع في سيره ، فكان قدم البراق لا يختلف عن موضع نظره ، كما كان قدمه صلى اللّه عليه وسلم لا يتأخر عن محل معرفته . فلم يزل صلى اللّه عليه وسلم في خفارة كمال أدبه مع اللّه سبحانه ، وتكميل مراتب عبوديته له ، حتى خرق حجب السماوات . وجاوز السبع الطباق . وجاور سدرة المنتهى . ووصل إلى محل من القرب سبق به الأولين والآخرين . فانصبت إليه هناك أقسام القرب انصبابا . وانقشعت عنه سحائب الحجب ظاهرا وباطنا حجابا حجابا . وأقيم مقاما غبطه به الأنبياء والمرسلون . فإذا كان في المعاد أقيم مقاما من القرب ثانيا ، يغبطه به الأولون والآخرون . واستقام هناك على صراط مستقيم من كمال أدبه مع اللّه ، ما زاغ البصر عنه وما طغى . فأقامه في هذا العالم على أقوم صراط من الحق والهدى . وأقسم بكلامه على ذلك في الذكر الحكيم ، فقال تعالى : يس ( 1 )